طريق الهداية – التوبة والاستغفار – الحلقة 147
طريق الهداية
التوبة والإستغفار (147)
شرح آيات سورة الروم من [28] إلى [33]
(بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ * فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) [الروم:29-33]
المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم الأحبة الكرام سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، موعد ولقاء جديد نخطو فيه سويًا خطوات على طريق الهداية. إلتفاتة غريبة جدًا في القرآن الكريم في أكثر من موضع وأكثر من سورة يتحدث عن أن أغلبية أهل الأرض على الباطل، شيء يدعو إلى الخوف، الخوف من أن أكون أنا نفسي من الأغلبية (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) [الكهف:104]. وهذا يحدث مع كثير منا فمثلًا إذا قابلت رجلًا ووجدت سلوكياته وتصرفاته غير منضبطة مع شرع الله، وتناقشه بأسلوب لين تجده معجب بنفسه جدًا وبتصرفاته، فهل نحن من هذا الصنف؟! ولماذا أغلب أهل الأرض على ضلال؟! ولماذا القلة والصفوة ستكون من أهل الجنة؟! كنا في سورة الروم والمولى عز وجل يتكلم عن إقامة الوجه لله ثم قال (ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) فطالما أنه عز وجل قضى بأن أكثر الناس لا تعلم الحقيقة هل هنا يظهر دور الرسل وأنهم يوجهوا أممهم؟!
د/ هداية: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم يا ربنا تسليمًا كثيرًا وبعد. لو انتبهت أن إطلاق الكثرة دائمًا يكون أنهم على غير الحقيقة، وأنهم يخطئون، وأنهم يحسبون، وأنهم يتصورون، وكل ما يدل على التوهم بعيدًا عن حقيقة التلقي في مناحي الإدراك المختلفة. وهي واضحة في أكثر من سورة ودائما لا بد أن يكون في وجدان المسلم الحق الآيات [103-106] من سورة يوسف، وأن أي أمر يعرض عليه لا بد أن يسأل نفسه من أي صنف هو؟ (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ) وهنا يقول (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) وعندما نقول في صدر الآيات (بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ) ثم في نهاية الآية (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) بعد أن أطلق المولى عز وجل حقيقة الدين القيم لا بد أن نقف ونعرف لا يعلمون ماذا؟! هل حاولوا أن يعلموا واجتهدوا لكنهم لم يفهموا؟! لا، فكلمة لا يعلمون هنا لا تطلق على من حاول حتى أن يعلم، إنما تطلق على من علم لكنه لم يعمل. وكأنك تقول بمنتهى البساطة ماذا استفدت من علمك؟! جاءت كلمة (لَا يَعْلَمُونَ) في هذه الآية بعد (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا) يعني وجِّه وجهك قائمًا للدين مائلًا عن كل معوج، يعني مستقيماً، وحنيفًا نفسها بالمعنى اللغوي والإصطلاحي تؤدي هذا المعنى. والدين القيم يكون في اتباع المنهج لكنهم لا يعلمون، لأنهم لو كانوا يعلمون لاتبعوا المنهج، فكلمة (لَا يَعْلَمُونَ) هنا لا تأتي بمعنى الجهل بالشيء ولكن بمعنى لا يعلمون حقيقة الأمر باتباع المنهج وعدم مناقشته. فالآن ماذا يقول الرجل الذي لا يريد أن يقع تحت وطأة (افعل ولا تفعل) أو تحت سطوة المنهج؟! يقول مثلًا: ليس من العدالة أن يفعل الله هذا!. فهل هذا القول يعفيه؟!
المقدم: بالطبع لا.
د/ هداية: وهذا هو الذي لا يعلموه.
المقدم: مثل الذي يناقش في كثير من التكليفات الإلهية.
د/ هداية: كنا نتكلم في مسألة إقامة الحد على الزاني أو أن الزاني يستحق العذاب – الزاني الذي أطلق العنان للزنا – وعندما سألنا الذي يقول بأنه يمكن أن يخرج من النار رد وقال بأن فلان قال هذا، ولم يناقش فهل مقولة فلان أو غيره ستدخله الجنة؟! هذا معنى لا يعلمون.
المقدم: تناقشت مرة مع شخص أجنبي وكانوا أعطوا له القرآن باللغة الألمانية فقرأه وعاد لهم بأسئلة كثيرة جدًا، فقال أنه قرأ ووجد الإسلام عنيفًا جدًا والحدود والعقوبات عنيفة وأنه تربى على إن الإله رحيم جدًا وأنهم سيدخلوا الملكوت جميعًا فقلت له أنا لن أجادلك في الكتب والرسالات، لكن سأخاطب فيك عقلك وفطرتك السليمة، وسألته هل تقبل أن يأتي شخص وأنت في عملك ودخل إلى بيتك عنوة واغتصب زوجتك وأولادك وقتلهم ثم بعد ذلك يدخل الملكوت مثلك؟! فقال لا، قلت له أشكرك هذه هي الرسالة التي أردت أن أوصلها.
د/ هداية: أو هل يقبل حتى أن يعفو عنه في الدنيا بدعوى التسامح؟!
المقدم: ولا يحدث ردع في المجتمع.
د/ هداية: هذا درب من الخبل سيصبح مجتمعًا ليس له قيود ويفعل فيه المجنون ما يشاء، والمجنون هنا ليس هو المختل رغمًا عنه لكن الذي يطلق العنان لرغباته وشهواته. أنا أقول أن الذي يدَّعي هذا والذي يقول: أنا أرى أن هذه ليست عدالة، هل هذا القول سيدخلك الجنة؟! فمن الذي وضع الميزان ليوم القيامة ومن الذي قال يوم تبيض ويوم تسود ومن الذي قال أصحاب اليمين وأصحاب الشمال؟! فهل اعتقادك الفاسد سيغير الموقف يوم القيامة؟! هذا يبدو عليه وهو يناقشك أنه مطمئن – رغم أنه من الداخل شديد التعب – وهذا معنى (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) لا يعلمون انهم كان يجب عليهم إلتزام الفطرة والتزام المنهج، فالمنهج الحق هو الدين القيم. ما معنى قول الحق تبارك وتعالى (ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)؟! أن هذا هو النجاة، اتباع المنهج بعيدًا عن الهوى، فنحن وُلِدنا على هذا المنهج ووجدناه موجوداً، ليس ممكنًا أن تولد على منهج ويتركك المولى عز وجل تكتب عقد العبودية – إن صح التعبير – فلو تًرِك لك كعبد – بالمنطق – في العقد المدني الحياتي إذا أردنا أن يشاركنا الطرف الآخر في كتابته نقول مثلًا لمن هو أعلى منا أنك تركت له هذا البند ليكتبه على هواه فيرد عليه الطرف الآخر لا والله اكتبه أنت وأنا سأوقع، فهؤلاء بشر وهذا جائز بينهم، إنما هل يصح أن يرسل الحق تبارك وتعالى في عليائه وكبريائه رسولًا بمنهج يقول فيه إعملوا ما شئتم فأنتم بأية حال داخلون النار ثم خارجون منها؟! طالما أن المسألة هكذا فلماذا أُرسل الرسول أصلاً؟! إسمع الآية (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء:107]، وهذه الآية مفهومها أعمق بكثير مما يفهمه الناس الآن، يعني هذا المنهج المُقَيِّد هو عين الرحمة، فالرسول إما بشيرًا أو نذيرًا فلو كانت المسألة كما يقولون الكل داخل النار ثم خارج منها ما فائدة الرسول والمنهج؟! عندما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في خطبته بعدما قال له المولى عز وجل (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) [الشعراء:214]: (والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، وإنها إما جنة أبدًا وإما نار أبدًا)، وهذا القول إنذار وليس معناه أنك مهما فعلت ستدخل النار لفترة ثم تخرج منها طالما أنك قلت لا إله إلا الله. هذه المسألة فيها نقطة مهمة للغاية يجب أن تُشرح وتفرغ لكي نرتاح بعدها، ونحن نتكلم في أي آية، ما تعلمنا نحن المسلمين بحق ما معنى قال، فالمعنى الذي يستقر في أذهاننا أنه (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة) فلو التحق أحدهم بالإسلام على هذا المفهوم فهو التحاق فاشل ومفهوم فاسد ومرفوض؛ لأن الحديث صحيح لكن هذا المعنى الذي يقول بأن القول المطلق يُدخل صاحبه الجنة هو عكس القرآن لأن معنى هذا أن المنافق الذي قال بلسانه يكون في الجنة والقرآن قال: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) [النساء:145] وألفت الأنظار أن المنافق هو أفضل من قال إعلانًا (لا إله إلا الله) فهو خطيب مفوَّه، لكن بدون عمل. المشكلة أننا لم نفهم معنى (قال).
********فاصل **********
المقدم: هل القول مجرد قول دون سلوكيات وتطبيق؟!
د/ هداية: القول لا يكون إلا عن اعتقاد، مثال/ هل يمكن أن نأتي بيهودي ويتلو القرآن الكريم؟! نعم، يمكن، لكن بعدما يتلو نسأله أن يشرح لنا جزئية معينة فيما تلاه، مثلًا آية (شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [آل عمران:18] فهل يستطيع؟!
المقدم: لا
د/ هداية: لماذا ؟! لأنها عكس اعتقاده، إذن كلمة (قال) قبل القول لا بد من موافقة الاعتقاد للقول، فالقول المجرد كأي كتاب تقرأه ليس عن اعتقاد فعندما كنا في المدرسة وتُطلب منا نظرية داروين مثلًا كنا نكتبها رغم أننا لا نؤمن بها. وأيضًا لا بد أن يطابق العمل ما أقول، مثال/ شخص يحتضر وكانت حياته فاسدة، وابنه مثلًا بجانبه يقول له: قل لا إله إلا الله، فالشخص المحتضر ينظر له ولا ينطق، فتجد الولد يضربه في كتفه، يعدل له رأسه محاولة منه أن يجعله ينطق بالشهادة واعتقادًا منه أنه لو نجح في أن يجعله ينطق سيدخل الجنة مهما كان عمله، فما تفسيرك أنت لموقف هذا الولد؟!
المقدم: ليست إجباراً.
د/ هداية: لا يمكن أن تكون إجباراً، وأي شخص يجادلك ترد عليه فوراً (آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) [يونس:91]، فهل فرعون أسلم فقط؟! لا، بل قال (آمنت) وهذا الإيمان كان قول مجرد وقال (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ) [يونس:90] وهذا عين النفاق، اسمعوا إلى رد المولى عز وجل عليه لتعرفوا عين الحقيقة أن المسألة ليست قولًا (آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ) يعني واقع الحال أنك عصيت، لكن هل يصح أن شخص آخر في هذا الموقف يقولها بيقين؟! هذا يكون مصيره إلى الله، من رد على فرعون هو الذي يقيِّمه سبحانه وتعالى، لماذا؟! لأن القضايا العقائدية لا تنتهي بضربة كتف أو أي شيء.
المقدم: هذا يذكرنا بالقصة الشهيرة التي حدثت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلًا كان يحتضر وتعذر عليه نطق الشهادة فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل له أم؟ قالوا: نعم. فسألوها فإذا هي غاضبة عليه لأنه كان يميز زوجته عليها، فأتى الرسول صلى الله عليه وسلم بالرجل أمام أمه وقال لها سنحرقه أو تسامحيه فرق قلبها وسامحته على الفور نطق الرجل بالشهادة ومات.
د/ هداية: هذه القصة أنا لم أسمع بها من قبل، وإذا أعملت حدسي سأقول لك أنها لا أساس لها من الصحة لكن سأتحقق منها وأرد عليك بإذن الله.
المقدم: في موضوع الدين القيم واتباع الهوى وضع المولى عز وجل نقطتين هناك آية سورة المؤمنون آية [71] (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ)، ولو رجعنا آية (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ * أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ).
د/ هداية: هذا أعظم توصيف في حالتنا هذه، فهل انكارهم لأي رسول، وسنأخذ محمد صلى الله عليه وسلم كمثال واضح فهل انكارهم له لأنهم لا يعرفونه؟! لا، فهم الذين أطلقوا عليه إسم الصادق الأمين، وقس على هذا كل الرسل، فلو كانوا لا يعرفوه لكانت الإشكالية منضبطة، لكن لو قال أنه لا يعرفه وهو يعرفه هنا تكون الإشكالية في عدم الصدق. هل كان محمد صلى الله عليه وسلم قبل البعثة معروف عنه أنه به جِنّة؟!
المقدم: لا بل كان متزنًا وعاقلًا.
د/ هداية: وكانوا يعتبرونه صلى الله عليه وسلم من الحكماء والبلغاء، وكانوا يحتكمون إليه وله آراء سديدة كثيرة قبل البعثة، وكفانا القول فيه الصادق الأمين، وهذا ما أكد عليه القرآن في مطلع سورة النجم (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى)، (وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ) التأكيد على كلمة (صاحبكم) تدل على أنهم يعرفونه، وطالما أنهم يعرفوه، وليس بمجنون إذن فهناك اتباع هوى، ولو يجوز أن يتبع المولى عز وجل أهواء الناس وإلا فكيف له أن يكون إله حاشاه عز وجل.
المقدم: وهناك أيضًا نتيجة دنيوية قبل أن يكون هناك عذاب أخروي أن النظام الذي فيه اتباع للهوى سيفسد. وكتطبيق لهذا في الوقت الحالي نجد مسألة المثليين أو الشواذ أصبحت في دول أجنبية شيء مشروع ومقنن فنجد مثلًا الوزير الفلاني وزوجه (يعني رجل) فنتوقع ما الذي يحدث بعد 50 سنة مثلًا إذا عممنا هذا في كل الدول وما نوع الطفرات الجينية التي ستحدث؟!
د/ هداية: الذي سيحدث هو إيقاف النسل قبل الطفرات الجينية فالكون سينتهي بعد مدة، فهذه الآية (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ) تُطبق كما قلت الآن، فلو اتبعنا الهوى في أي شيء – ليس بالضرورة في مسألة الشذوذ – تفسد السماوات والأرض بيقين.
المقدم: وعندما يحدث صيد جائر فسبحان الله تعالى نرى هذا أيضًا في الحيوانات فبمجرد أن يزيد عدد حيوان أو طير معين في أي منطقة يهدد التوازن البيئي الذي خلقه المولى عز وجل.
د/ هداية: بالضبط هذه القضية لا تحتاج كلام، وأنا جئت لك بأقصر طريق وقلت هل اتباع الهوى يعفيك من السؤال يوم القيامة؟! فلو أن هناك عاقل لقال أن اتباع الهوى يضع الشخص في عين المسؤولية ولكن الشيطان يزين بأن يقول لك مثلًا أن هذه المسألة ليس فيها عدل ولكن أنت ترى هذا من وجهة نظرك أنت فهل هذا سيغير الواقع في الحساب يوم القيامة وهل سيغير شيء عند المولى عز وجل وهو القائل (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) [ق:29]؟ بالطبع لا، ما قال الله به أزلًا لو انطبقت السموات والأرض لن يتغير ولا يتغير ما كتبه الله تبارك وتعالى.
********فاصل **********
المقدم: كلمة (حنيفًا) تجعلني أسأل سؤالًا يخص أيضًا الأكثرية في الأمة، فأقم وجهك للدين مستقيمًا أو على صراط مستقيم بمعنى حنيفًا الذي شرحناه لكن لماذا استخدام كلمة (حنيفًا)؟ فهل استخدام المولى عز وجل لهذه الكلمة في هذا الموضع لكي يلفت الإنتباه أنك لو جئت مستقيمًا ستجد كثيرًا من الناس معوجين فلا بد أن تميل عنهم لتستقيم أنت؟ ولهذا استخدم حنيفًا التي معناها في أصل اللغة مائلًا؛ أي أنك لكي تستقيم لله لا بد أن تميل عن الخلق أو عن كثير من الخلق؟!
د/ هداية: هذا ملمح صحيح مائة بالمائة، فلو أراد المولى عز وجل أن يقول مستقيمًا لما أتى بكلمة (حنيفًا) التي توضح وتخدم معنى الميل عن الأشخاص غير المستقيمين، فالجمال في استخدام كلمة (حنيفًا) هو معنى الميل الذي تتضمنه لأنك أنت مائل عن من؟! عن غير المستقيم، فلو قال مستقيمًا لما انتبهت إلى الفرقة التي على ضلال التي لا بد أن تميل عنها. هل ابراهيم عليه السلام كان معه أحد في ما وصل إليه؟! لا، بل كان وحده فهو مال عن الكل، فاستخدام كلمة مستقيمًا هنا لن تؤدي المعنى الموضوعي للقصة، ولو أن ابراهيم عليه السلام لم يلتزم الفطرة السليمة التي فطر الله تعالى الناس عليها لكان قال في عقله مثلًا كل هؤلاء من حولي يقولون عكس ما أقول فكيف أكون أنا على صواب؟! لم يقلها ابراهيم عليه السلام لأن فطرته سليمة ولأنه أعمل الفطرة والتزمها وتجرد عن هوى كل واحد من الذين عبدوا الأشياء التي رفضها ابراهيم عليه السلام مثل: الشمس، الكواكب، النجوم، النار، فالهوى الذي تحقق عند هؤلاء لم يجد رواجًا عن ابراهيم، بمعنى أنه تجرَّد والتزم الفطرة. والقرآن يخدم بعضه بعضاً في أن الفكرة التي جاءت لك عن ابراهيم عليه السلام ساعة خرج يبحث عن الإله الحق رافضًا في البداية كل صنم عبدوه عندما قال (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ) [الأنعام:76] هل هذه كانت أول مرة يجن عليه الليل؟!
المقدم: لا، لكن كانت أول مرة يتدبر.
د/ هداية: بالضبط لم تكن أول مرة يجن فيها الليل لكن أو مرة يفكر في الكوكب، والنجمة، والقمر و… وانتبه أنه كان رافضًا للأصنام بكل الفريق الذي يعبدها وكونه كان واحدًا لم يمنعه من التفكير أو يرجعه عن اتخاذ قرار الرفض؛ لأنه أعمل فطرته واطمأن لها.
المقدم: مسألة الفرد والمجموع نجدها أيضًا في سورة الروم في الآية [30] (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا) رغم أنه في الآية السابقة [29] تحدث عن المجموع (بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم) ثم بدأ الآية [31] (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ)، فكيف يكون التكليف فأقم وجهك فردًا ثم يكون السبيل منيبين إليه مجموع؟!
د/ هداية: هذه الصياغة تدل على معنى أرى أنه غاب عن كثير وهو (ولو كنت بمفردك). هل تعلم أن من أنبياء الله الصالحين من ظل بمفرده دون أتباع؟! وكلمة (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا) قيل أنها موجهة للرسول صلى الله عليه وسلم بوصفه زعيم الأمة – وكلمة زعيم الأمة هذه فيها تجاوز لأنه صلى الله عليه وسلم نبي الأمة أو رسول الأمة – وهذه الآية تقال لكل فرد وتتحقق آناء الليل وأطراف النهار لأن أحيانًا تكون هناك عائلة كاملة لا يوجد فيها إلا رجل واحد صالح فلو طبق عكس هذا المنطق الحق لقال لنفسه أنا سأكون مع بقية أهلي جميعًا مثلًا. فعندما تقيم الوجه لله وتنفصل حنيفًا عن المعوجين المائلين، ستجد معك ناس منيبين إليه صحيح أنهم قلة لكن ستكونون جماعة، وهذه علة ما بعدها عندما قال (وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) لأن المشركين كيف بدأوا؟! فرَّقوا دينهم وكانوا شيعاً (مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا) وما بعدها مبدعة (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) فكونهم حزب ليس معناه أنهم على صواب.
المقدم: وهذا ما حذرنا منه الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال (افترقت اليهود والنصارى على إحدى وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي)
د/ هداية: فالحق لا يتجزأ، ومن أسماء الله الحق.
المقدم: لماذا لم ننتبه نحن لكل هذا أو نخاف من تحذيرات الرسول صلى الله عليه وسلم ومن آيات القرآن وتفرقنا بالفعل إلى عدة مذاهب وفرق ونحل كثيرة، وسمعت تصريحًا لفضيلة شيخ الأزهر عندما تكلم عن عن فكرة توحيد الجهود ولا ينبغي أن نتهم الشيعة أو السنة أو غيرهم وهو يريد إصلاحا للأزهر ودوره، لكن لا زالت تنطبق الآية علينا (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ).
د/ هداية: الدكتور أحمد الطيب يريد أن نتفق على الأقل فيما نحن متفقين فيه ولا نناقشهم في مذاهبهم لأننا أمة واحدة وهو يريد أن يُجمِّع لا يفرِّق وهذه فكرة صحيحة والآيات كلها تسير في هذا الإتجاه.
المقدم: وهناك أيضًا فتوى أصدرت بتحريم وتجريم سب الصحابة وأمهات المؤمنين.
د/ هداية: هذه خطوة ومن يبتغ الخير ييسر الله له الخير، فلو بدأت داعيًا للإصلاح من المؤكد أنك ستجد صدى من الجانب الآخر، إنما لو ظلت الأمور على ما هي عليه انتصارًا لمذهبك وفكرتك وحزبك ستضيع الأمة ومن هنا نبدأ (تعالوا بنا إلى كلمة سواء) تعالوا فيما تفقنا عليه بعيدًا عما اختلفنا عليه لفترة، وترجع الأمة على فرقة واحدة شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وهذا هو المنطق الحق منذ بعثة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم والذي يتكلم به القرآن بعيدًا عن أي حزبية أو طائفية أو مذهبية. القرآن يتكلم في أمة واحدة ولذلك يعمل الدكتور أحمد الطيب من هنا حتى وإن ظلت السنة فرقة نحن نحتاج أمة.
المقدم: في الحقيقة هذا يفتح نقاشًا حساسًا جدًا وأنا عندي وجهة نظر وهو أن البعد عن المسائل الحساسة ليس من السلامة دائمًا، لأن البعد لا يداوي الجرح وإنما يغطيه مما يؤدي لتفاقم الوضع ويصل بنا الحال من جرح صغير لو كان تم علاجه من البداية لما تحول إلى مشكلة كبيرة.
د/ هداية: الدكتور أحمد الطيب يريد أن يعالج ويفعل ما تتكلم عنه، لكن أبدًا المسألة لن تبدأ بخلاف بل لا بد أن تبدأ بنقاط التلاقي وهذا عين المنطق؛ لأننا لو بدأنا مما اختلفنا فيه فلن نتفق بل نبدأ فيما اتفقنا عليه. القرآن لم يقل كنت خير فرقة بل قال (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) [آل عمران:110]، الخيرية في الأمة يعني في التجمع والسنة فرقة أرجو أن تكون أمة وكما قال الدكتور الطيب الأمة محتاجة لعودة فرق إليها.
المقدم: وهل من ضمن ما نتفق عليه مثلًا هل انتمائي للمكان الذي ولدت فيه أم انتمائي للإسلام؟!
د/ هداية: انتمائي للإسلام.
المقدم: هذه تمثل إشكالية عند الكثيرين، فنسمع من يقول مثلًا: مصريتك لا تعني لك شيئاً، وكذلك في الجيش الأمريكي نجد جنود أمريكيين لكنهم مسلمين سواء ولدوا مسلمين أو أسلموا يجعلوهم يقسمون بالولاء أولا لأمريكا والجيش الأمريكي.
د/ هداية: هذا أيضًا تفرقة وليس تجميع، والدين الإسلامي ليس هكذا، وهناك دعاوى كثيرة جاءت من هذا المنطلق للتجميع وليس للتفريق مثل الدكتور أحمد الطيب والدكتور يوسف القرضاوي وغيرهم أنا لا أريد أن أنسى أحدًا. ولأنك أشرت في كلامك إلى الدكتور أحمد الطيب فأنا أرى أن ما يريد هذا الرجل بهذا الفكر السليم في عصرنا هذا هو السبيل وقبله قالها الدكتور يوسف القرضاوي ودعا للوحدة لا للتفريق قالوا عنه أقوال كثيرة وفي النهاية هو رجل مسلم لا مصلحة له عند أحد – ولو بحثنا في النوايا لن نفعل شيئًا – فالمهم أن نبدأ فيما اتفقنا عليه.
المقدم: انتهينا من آيات سورة الروم وسنذهب بفكرها إلى آية النور [39] وسورة الكهف [103] في الحلقة القادمة بإذن الله. جزاكم الله خيرًا ونراكم على خير وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.