الأربعاء، 9 ديسمبر 2015

إعلانات

الخميس، 11 ديسمبر 2014

طريق الهداية – التوبة والاستغفار – الحلقة 147

طريق الهداية – التوبة والاستغفار – الحلقة 147


طريق الهداية
التوبة والإستغفار (147)

شرح آيات سورة الروم من [28] إلى [33]
(بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ * فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) [الروم:29-33]
المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم الأحبة الكرام سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، موعد ولقاء جديد نخطو فيه سويًا خطوات على طريق الهداية. إلتفاتة غريبة جدًا في القرآن الكريم في أكثر من موضع وأكثر من سورة يتحدث عن أن أغلبية أهل الأرض على الباطل، شيء يدعو إلى الخوف، الخوف من أن أكون أنا نفسي من الأغلبية (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) [الكهف:104]. وهذا يحدث مع كثير منا فمثلًا إذا قابلت رجلًا ووجدت سلوكياته وتصرفاته غير منضبطة مع شرع الله، وتناقشه بأسلوب لين تجده معجب بنفسه جدًا وبتصرفاته، فهل نحن من هذا الصنف؟! ولماذا أغلب أهل الأرض على ضلال؟! ولماذا القلة والصفوة ستكون من أهل الجنة؟! كنا في سورة الروم والمولى عز وجل يتكلم عن إقامة الوجه لله ثم قال (ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) فطالما أنه عز وجل قضى بأن أكثر الناس لا تعلم الحقيقة هل هنا يظهر دور الرسل وأنهم يوجهوا أممهم؟!
د/ هداية: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم يا ربنا تسليمًا كثيرًا وبعد. لو انتبهت أن إطلاق الكثرة دائمًا يكون أنهم على غير الحقيقة، وأنهم يخطئون، وأنهم يحسبون، وأنهم يتصورون، وكل ما يدل على التوهم بعيدًا عن حقيقة التلقي في مناحي الإدراك المختلفة. وهي واضحة في أكثر من سورة ودائما لا بد أن يكون في وجدان المسلم الحق الآيات [103-106] من سورة يوسف، وأن أي أمر يعرض عليه لا بد أن يسأل نفسه من أي صنف هو؟ (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ) وهنا يقول (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) وعندما نقول في صدر الآيات (بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ) ثم في نهاية الآية (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) بعد أن أطلق المولى عز وجل حقيقة الدين القيم لا بد أن نقف ونعرف لا يعلمون ماذا؟! هل حاولوا أن يعلموا واجتهدوا لكنهم لم يفهموا؟! لا، فكلمة لا يعلمون هنا لا تطلق على من حاول حتى أن يعلم، إنما تطلق على من علم لكنه لم يعمل. وكأنك تقول بمنتهى البساطة ماذا استفدت من علمك؟! جاءت كلمة (لَا يَعْلَمُونَ) في هذه الآية بعد (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا) يعني وجِّه وجهك قائمًا للدين مائلًا عن كل معوج، يعني مستقيماً، وحنيفًا نفسها بالمعنى اللغوي والإصطلاحي تؤدي هذا المعنى. والدين القيم يكون في اتباع المنهج لكنهم لا يعلمون، لأنهم لو كانوا يعلمون لاتبعوا المنهج، فكلمة (لَا يَعْلَمُونَ) هنا لا تأتي بمعنى الجهل بالشيء ولكن بمعنى لا يعلمون حقيقة الأمر باتباع المنهج وعدم مناقشته. فالآن ماذا يقول الرجل الذي لا يريد أن يقع تحت وطأة (افعل ولا تفعل) أو تحت سطوة المنهج؟! يقول مثلًا: ليس من العدالة أن يفعل الله هذا!. فهل هذا القول يعفيه؟!
المقدم: بالطبع لا.
د/ هداية: وهذا هو الذي لا يعلموه.
المقدم: مثل الذي يناقش في كثير من التكليفات الإلهية.
د/ هداية: كنا نتكلم في مسألة إقامة الحد على الزاني أو أن الزاني يستحق العذاب – الزاني الذي أطلق العنان للزنا – وعندما سألنا الذي يقول بأنه يمكن أن يخرج من النار رد وقال بأن فلان قال هذا، ولم يناقش فهل مقولة فلان أو غيره ستدخله الجنة؟! هذا معنى لا يعلمون.
المقدم: تناقشت مرة مع شخص أجنبي وكانوا أعطوا له القرآن باللغة الألمانية فقرأه وعاد لهم بأسئلة كثيرة جدًا، فقال أنه قرأ ووجد الإسلام عنيفًا جدًا والحدود والعقوبات عنيفة وأنه تربى على إن الإله رحيم جدًا وأنهم سيدخلوا الملكوت جميعًا فقلت له أنا لن أجادلك في الكتب والرسالات، لكن سأخاطب فيك عقلك وفطرتك السليمة، وسألته هل تقبل أن يأتي شخص وأنت في عملك ودخل إلى بيتك عنوة واغتصب زوجتك وأولادك وقتلهم ثم بعد ذلك يدخل الملكوت مثلك؟! فقال لا، قلت له أشكرك هذه هي الرسالة التي أردت أن أوصلها.
د/ هداية: أو هل يقبل حتى أن يعفو عنه في الدنيا بدعوى التسامح؟!
المقدم: ولا يحدث ردع في المجتمع.
د/ هداية: هذا درب من الخبل سيصبح مجتمعًا ليس له قيود ويفعل فيه المجنون ما يشاء، والمجنون هنا ليس هو المختل رغمًا عنه لكن الذي يطلق العنان لرغباته وشهواته. أنا أقول أن الذي يدَّعي هذا والذي يقول: أنا أرى أن هذه ليست عدالة، هل هذا القول سيدخلك الجنة؟! فمن الذي وضع الميزان ليوم القيامة ومن الذي قال يوم تبيض ويوم تسود ومن الذي قال أصحاب اليمين وأصحاب الشمال؟! فهل اعتقادك الفاسد سيغير الموقف يوم القيامة؟! هذا يبدو عليه وهو يناقشك أنه مطمئن – رغم أنه من الداخل شديد التعب – وهذا معنى (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) لا يعلمون انهم كان يجب عليهم إلتزام الفطرة والتزام المنهج، فالمنهج الحق هو الدين القيم. ما معنى قول الحق تبارك وتعالى (ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)؟! أن هذا هو النجاة، اتباع المنهج بعيدًا عن الهوى، فنحن وُلِدنا على هذا المنهج ووجدناه موجوداً، ليس ممكنًا أن تولد على منهج ويتركك المولى عز وجل تكتب عقد العبودية – إن صح التعبير – فلو تًرِك لك كعبد – بالمنطق – في العقد المدني الحياتي إذا أردنا أن يشاركنا الطرف الآخر في كتابته نقول مثلًا لمن هو أعلى منا أنك تركت له هذا البند ليكتبه على هواه فيرد عليه الطرف الآخر لا والله اكتبه أنت وأنا سأوقع، فهؤلاء بشر وهذا جائز بينهم، إنما هل يصح أن يرسل الحق تبارك وتعالى في عليائه وكبريائه رسولًا بمنهج يقول فيه إعملوا ما شئتم فأنتم بأية حال داخلون النار ثم خارجون منها؟! طالما أن المسألة هكذا فلماذا أُرسل الرسول أصلاً؟! إسمع الآية (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء:107]، وهذه الآية مفهومها أعمق بكثير مما يفهمه الناس الآن، يعني هذا المنهج المُقَيِّد هو عين الرحمة، فالرسول إما بشيرًا أو نذيرًا فلو كانت المسألة كما يقولون الكل داخل النار ثم خارج منها ما فائدة الرسول والمنهج؟! عندما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في خطبته بعدما قال له المولى عز وجل (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) [الشعراء:214]: (والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، وإنها إما جنة أبدًا وإما نار أبدًا)، وهذا القول إنذار وليس معناه أنك مهما فعلت ستدخل النار لفترة ثم تخرج منها طالما أنك قلت لا إله إلا الله. هذه المسألة فيها نقطة مهمة للغاية يجب أن تُشرح وتفرغ لكي نرتاح بعدها، ونحن نتكلم في أي آية، ما تعلمنا نحن المسلمين بحق ما معنى قال، فالمعنى الذي يستقر في أذهاننا أنه (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة) فلو التحق أحدهم بالإسلام على هذا المفهوم فهو التحاق فاشل ومفهوم فاسد ومرفوض؛ لأن الحديث صحيح لكن هذا المعنى الذي يقول بأن القول المطلق يُدخل صاحبه الجنة هو عكس القرآن لأن معنى هذا أن المنافق الذي قال بلسانه يكون في الجنة والقرآن قال: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) [النساء:145] وألفت الأنظار أن المنافق هو أفضل من قال إعلانًا (لا إله إلا الله) فهو خطيب مفوَّه، لكن بدون عمل. المشكلة أننا لم نفهم معنى (قال).
********فاصل **********
المقدم: هل القول مجرد قول دون سلوكيات وتطبيق؟!
د/ هداية: القول لا يكون إلا عن اعتقاد، مثال/ هل يمكن أن نأتي بيهودي ويتلو القرآن الكريم؟! نعم، يمكن، لكن بعدما يتلو نسأله أن يشرح لنا جزئية معينة فيما تلاه، مثلًا آية (شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [آل عمران:18] فهل يستطيع؟!
المقدم: لا
د/ هداية: لماذا ؟! لأنها عكس اعتقاده، إذن كلمة (قال) قبل القول لا بد من موافقة الاعتقاد للقول، فالقول المجرد كأي كتاب تقرأه ليس عن اعتقاد فعندما كنا في المدرسة وتُطلب منا نظرية داروين مثلًا كنا نكتبها رغم أننا لا نؤمن بها. وأيضًا لا بد أن يطابق العمل ما أقول، مثال/ شخص يحتضر وكانت حياته فاسدة، وابنه مثلًا بجانبه يقول له: قل لا إله إلا الله، فالشخص المحتضر ينظر له ولا ينطق، فتجد الولد يضربه في كتفه، يعدل له رأسه محاولة منه أن يجعله ينطق بالشهادة واعتقادًا منه أنه لو نجح في أن يجعله ينطق سيدخل الجنة مهما كان عمله، فما تفسيرك أنت لموقف هذا الولد؟!
المقدم: ليست إجباراً.
د/ هداية: لا يمكن أن تكون إجباراً، وأي شخص يجادلك ترد عليه فوراً (آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) [يونس:91]، فهل فرعون أسلم فقط؟! لا، بل قال (آمنت) وهذا الإيمان كان قول مجرد وقال (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ) [يونس:90] وهذا عين النفاق، اسمعوا إلى رد المولى عز وجل عليه لتعرفوا عين الحقيقة أن المسألة ليست قولًا (آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ) يعني واقع الحال أنك عصيت، لكن هل يصح أن شخص آخر في هذا الموقف يقولها بيقين؟! هذا يكون مصيره إلى الله، من رد على فرعون هو الذي يقيِّمه سبحانه وتعالى، لماذا؟! لأن القضايا العقائدية لا تنتهي بضربة كتف أو أي شيء.
المقدم: هذا يذكرنا بالقصة الشهيرة التي حدثت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلًا كان يحتضر وتعذر عليه نطق الشهادة فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل له أم؟ قالوا: نعم. فسألوها فإذا هي غاضبة عليه لأنه كان يميز زوجته عليها، فأتى الرسول صلى الله عليه وسلم بالرجل أمام أمه وقال لها سنحرقه أو تسامحيه فرق قلبها وسامحته على الفور نطق الرجل بالشهادة ومات.
د/ هداية: هذه القصة أنا لم أسمع بها من قبل، وإذا أعملت حدسي سأقول لك أنها لا أساس لها من الصحة لكن سأتحقق منها وأرد عليك بإذن الله.
المقدم: في موضوع الدين القيم واتباع الهوى وضع المولى عز وجل نقطتين هناك آية سورة المؤمنون آية [71] (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ)، ولو رجعنا آية (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ * أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ).
د/ هداية: هذا أعظم توصيف في حالتنا هذه، فهل انكارهم لأي رسول، وسنأخذ محمد صلى الله عليه وسلم كمثال واضح فهل انكارهم له لأنهم لا يعرفونه؟! لا، فهم الذين أطلقوا عليه إسم الصادق الأمين، وقس على هذا كل الرسل، فلو كانوا لا يعرفوه لكانت الإشكالية منضبطة، لكن لو قال أنه لا يعرفه وهو يعرفه هنا تكون الإشكالية في عدم الصدق. هل كان محمد صلى الله عليه وسلم قبل البعثة معروف عنه أنه به جِنّة؟!
المقدم: لا بل كان متزنًا وعاقلًا.
د/ هداية: وكانوا يعتبرونه صلى الله عليه وسلم من الحكماء والبلغاء، وكانوا يحتكمون إليه وله آراء سديدة كثيرة قبل البعثة، وكفانا القول فيه الصادق الأمين، وهذا ما أكد عليه القرآن في مطلع سورة النجم (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى)، (وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ) التأكيد على كلمة (صاحبكم) تدل على أنهم يعرفونه، وطالما أنهم يعرفوه، وليس بمجنون إذن فهناك اتباع هوى، ولو يجوز أن يتبع المولى عز وجل أهواء الناس وإلا فكيف له أن يكون إله حاشاه عز وجل.
المقدم: وهناك أيضًا نتيجة دنيوية قبل أن يكون هناك عذاب أخروي أن النظام الذي فيه اتباع للهوى سيفسد. وكتطبيق لهذا في الوقت الحالي نجد مسألة المثليين أو الشواذ أصبحت في دول أجنبية شيء مشروع ومقنن فنجد مثلًا الوزير الفلاني وزوجه (يعني رجل) فنتوقع ما الذي يحدث بعد 50 سنة مثلًا إذا عممنا هذا في كل الدول وما نوع الطفرات الجينية التي ستحدث؟!
د/ هداية: الذي سيحدث هو إيقاف النسل قبل الطفرات الجينية فالكون سينتهي بعد مدة، فهذه الآية (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ) تُطبق كما قلت الآن، فلو اتبعنا الهوى في أي شيء – ليس بالضرورة في مسألة الشذوذ – تفسد السماوات والأرض بيقين.
المقدم: وعندما يحدث صيد جائر فسبحان الله تعالى نرى هذا أيضًا في الحيوانات فبمجرد أن يزيد عدد حيوان أو طير معين في أي منطقة يهدد التوازن البيئي الذي خلقه المولى عز وجل.
د/ هداية: بالضبط هذه القضية لا تحتاج كلام، وأنا جئت لك بأقصر طريق وقلت هل اتباع الهوى يعفيك من السؤال يوم القيامة؟! فلو أن هناك عاقل لقال أن اتباع الهوى يضع الشخص في عين المسؤولية ولكن الشيطان يزين بأن يقول لك مثلًا أن هذه المسألة ليس فيها عدل ولكن أنت ترى هذا من وجهة نظرك أنت فهل هذا سيغير الواقع في الحساب يوم القيامة وهل سيغير شيء عند المولى عز وجل وهو القائل (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) [ق:29]؟ بالطبع لا، ما قال الله به أزلًا لو انطبقت السموات والأرض لن يتغير ولا يتغير ما كتبه الله تبارك وتعالى.
********فاصل **********
المقدم: كلمة (حنيفًا) تجعلني أسأل سؤالًا يخص أيضًا الأكثرية في الأمة، فأقم وجهك للدين مستقيمًا أو على صراط مستقيم بمعنى حنيفًا الذي شرحناه لكن لماذا استخدام كلمة (حنيفًا)؟ فهل استخدام المولى عز وجل لهذه الكلمة في هذا الموضع لكي يلفت الإنتباه أنك لو جئت مستقيمًا ستجد كثيرًا من الناس معوجين فلا بد أن تميل عنهم لتستقيم أنت؟ ولهذا استخدم حنيفًا التي معناها في أصل اللغة مائلًا؛ أي أنك لكي تستقيم لله لا بد أن تميل عن الخلق أو عن كثير من الخلق؟!
د/ هداية: هذا ملمح صحيح مائة بالمائة، فلو أراد المولى عز وجل أن يقول مستقيمًا لما أتى بكلمة (حنيفًا) التي توضح وتخدم معنى الميل عن الأشخاص غير المستقيمين، فالجمال في استخدام كلمة (حنيفًا) هو معنى الميل الذي تتضمنه لأنك أنت مائل عن من؟! عن غير المستقيم، فلو قال مستقيمًا لما انتبهت إلى الفرقة التي على ضلال التي لا بد أن تميل عنها. هل ابراهيم عليه السلام كان معه أحد في ما وصل إليه؟! لا، بل كان وحده فهو مال عن الكل، فاستخدام كلمة مستقيمًا هنا لن تؤدي المعنى الموضوعي للقصة، ولو أن ابراهيم عليه السلام لم يلتزم الفطرة السليمة التي فطر الله تعالى الناس عليها لكان قال في عقله مثلًا كل هؤلاء من حولي يقولون عكس ما أقول فكيف أكون أنا على صواب؟! لم يقلها ابراهيم عليه السلام لأن فطرته سليمة ولأنه أعمل الفطرة والتزمها وتجرد عن هوى كل واحد من الذين عبدوا الأشياء التي رفضها ابراهيم عليه السلام مثل: الشمس، الكواكب، النجوم، النار، فالهوى الذي تحقق عند هؤلاء لم يجد رواجًا عن ابراهيم، بمعنى أنه تجرَّد والتزم الفطرة. والقرآن يخدم بعضه بعضاً في أن الفكرة التي جاءت لك عن ابراهيم عليه السلام ساعة خرج يبحث عن الإله الحق رافضًا في البداية كل صنم عبدوه عندما قال (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ) [الأنعام:76] هل هذه كانت أول مرة يجن عليه الليل؟!
المقدم: لا، لكن كانت أول مرة يتدبر.
د/ هداية: بالضبط لم تكن أول مرة يجن فيها الليل لكن أو مرة يفكر في الكوكب، والنجمة، والقمر و… وانتبه أنه كان رافضًا للأصنام بكل الفريق الذي يعبدها وكونه كان واحدًا لم يمنعه من التفكير أو يرجعه عن اتخاذ قرار الرفض؛ لأنه أعمل فطرته واطمأن لها.
المقدم: مسألة الفرد والمجموع نجدها أيضًا في سورة الروم في الآية [30] (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا) رغم أنه في الآية السابقة [29] تحدث عن المجموع (بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم) ثم بدأ الآية [31] (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ)، فكيف يكون التكليف فأقم وجهك فردًا ثم يكون السبيل منيبين إليه مجموع؟!
د/ هداية: هذه الصياغة تدل على معنى أرى أنه غاب عن كثير وهو (ولو كنت بمفردك). هل تعلم أن من أنبياء الله الصالحين من ظل بمفرده دون أتباع؟! وكلمة (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا) قيل أنها موجهة للرسول صلى الله عليه وسلم بوصفه زعيم الأمة – وكلمة زعيم الأمة هذه فيها تجاوز لأنه صلى الله عليه وسلم نبي الأمة أو رسول الأمة – وهذه الآية تقال لكل فرد وتتحقق آناء الليل وأطراف النهار لأن أحيانًا تكون هناك عائلة كاملة لا يوجد فيها إلا رجل واحد صالح فلو طبق عكس هذا المنطق الحق لقال لنفسه أنا سأكون مع بقية أهلي جميعًا مثلًا. فعندما تقيم الوجه لله وتنفصل حنيفًا عن المعوجين المائلين، ستجد معك ناس منيبين إليه صحيح أنهم قلة لكن ستكونون جماعة، وهذه علة ما بعدها عندما قال (وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) لأن المشركين كيف بدأوا؟! فرَّقوا دينهم وكانوا شيعاً (مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا) وما بعدها مبدعة (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) فكونهم حزب ليس معناه أنهم على صواب.
المقدم: وهذا ما حذرنا منه الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال (افترقت اليهود والنصارى على إحدى وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي)
د/ هداية: فالحق لا يتجزأ، ومن أسماء الله الحق.
المقدم: لماذا لم ننتبه نحن لكل هذا أو نخاف من تحذيرات الرسول صلى الله عليه وسلم ومن آيات القرآن وتفرقنا بالفعل إلى عدة مذاهب وفرق ونحل كثيرة، وسمعت تصريحًا لفضيلة شيخ الأزهر عندما تكلم عن عن فكرة توحيد الجهود ولا ينبغي أن نتهم الشيعة أو السنة أو غيرهم وهو يريد إصلاحا للأزهر ودوره، لكن لا زالت تنطبق الآية علينا (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ).
د/ هداية: الدكتور أحمد الطيب يريد أن نتفق على الأقل فيما نحن متفقين فيه ولا نناقشهم في مذاهبهم لأننا أمة واحدة وهو يريد أن يُجمِّع لا يفرِّق وهذه فكرة صحيحة والآيات كلها تسير في هذا الإتجاه.
المقدم: وهناك أيضًا فتوى أصدرت بتحريم وتجريم سب الصحابة وأمهات المؤمنين.
د/ هداية: هذه خطوة ومن يبتغ الخير ييسر الله له الخير، فلو بدأت داعيًا للإصلاح من المؤكد أنك ستجد صدى من الجانب الآخر، إنما لو ظلت الأمور على ما هي عليه انتصارًا لمذهبك وفكرتك وحزبك ستضيع الأمة ومن هنا نبدأ (تعالوا بنا إلى كلمة سواء) تعالوا فيما تفقنا عليه بعيدًا عما اختلفنا عليه لفترة، وترجع الأمة على فرقة واحدة شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وهذا هو المنطق الحق منذ بعثة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم والذي يتكلم به القرآن بعيدًا عن أي حزبية أو طائفية أو مذهبية. القرآن يتكلم في أمة واحدة ولذلك يعمل الدكتور أحمد الطيب من هنا حتى وإن ظلت السنة فرقة نحن نحتاج أمة.
المقدم: في الحقيقة هذا يفتح نقاشًا حساسًا جدًا وأنا عندي وجهة نظر وهو أن البعد عن المسائل الحساسة ليس من السلامة دائمًا، لأن البعد لا يداوي الجرح وإنما يغطيه مما يؤدي لتفاقم الوضع ويصل بنا الحال من جرح صغير لو كان تم علاجه من البداية لما تحول إلى مشكلة كبيرة.
د/ هداية: الدكتور أحمد الطيب يريد أن يعالج ويفعل ما تتكلم عنه، لكن أبدًا المسألة لن تبدأ بخلاف بل لا بد أن تبدأ بنقاط التلاقي وهذا عين المنطق؛ لأننا لو بدأنا مما اختلفنا فيه فلن نتفق بل نبدأ فيما اتفقنا عليه. القرآن لم يقل كنت خير فرقة بل قال (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) [آل عمران:110]، الخيرية في الأمة يعني في التجمع والسنة فرقة أرجو أن تكون أمة وكما قال الدكتور الطيب الأمة محتاجة لعودة فرق إليها.
المقدم: وهل من ضمن ما نتفق عليه مثلًا هل انتمائي للمكان الذي ولدت فيه أم انتمائي للإسلام؟!
د/ هداية: انتمائي للإسلام.
المقدم: هذه تمثل إشكالية عند الكثيرين، فنسمع من يقول مثلًا: مصريتك لا تعني لك شيئاً، وكذلك في الجيش الأمريكي نجد جنود أمريكيين لكنهم مسلمين سواء ولدوا مسلمين أو أسلموا يجعلوهم يقسمون بالولاء أولا لأمريكا والجيش الأمريكي.
د/ هداية: هذا أيضًا تفرقة وليس تجميع، والدين الإسلامي ليس هكذا، وهناك دعاوى كثيرة جاءت من هذا المنطلق للتجميع وليس للتفريق مثل الدكتور أحمد الطيب والدكتور يوسف القرضاوي وغيرهم أنا لا أريد أن أنسى أحدًا. ولأنك أشرت في كلامك إلى الدكتور أحمد الطيب فأنا أرى أن ما يريد هذا الرجل بهذا الفكر السليم في عصرنا هذا هو السبيل وقبله قالها الدكتور يوسف القرضاوي ودعا للوحدة لا للتفريق قالوا عنه أقوال كثيرة وفي النهاية هو رجل مسلم لا مصلحة له عند أحد – ولو بحثنا في النوايا لن نفعل شيئًا – فالمهم أن نبدأ فيما اتفقنا عليه.
المقدم: انتهينا من آيات سورة الروم وسنذهب بفكرها إلى آية النور [39]  وسورة الكهف [103] في الحلقة القادمة بإذن الله. جزاكم الله خيرًا ونراكم على خير وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

طريق الهداية -التوبة والاستغفار – الحلقة 148

طريق الهداية -التوبة والاستغفار – الحلقة 148


طريق الهداية
التوبة والإستغفار (148)

شرح آيات سورة الروم من [31] إلى [33]
(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) [الروم:31-33]
المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم. الأحبة الكرام سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، موعد ولقاء جديد نخطو فيه سويًا خطوات على طريق الهداية. في طريق الهداية نخاطب كل ذي فطرة سليمة هذه الفطرة التي فطر الله تعالى الناس عليها. في مشوارنا مع استخلاص الدروس والعبر كنا توقفنا عند موضوع الفطرة والدين القيم وما معنى الإنابة والتقوى، وكيف يكون الإنسان متقيًا ويقيم الصلاة ومع ذلك يقول لنا المولى عز وجل (وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، ويشرح لنا بعدها كيفية هذا الشرك (مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)، وقلنا أن هناك قراءة (من الذين فارقوا دينهم) فكيف أحذر وأتقي الوقوع في هذا الشرك؟!
د/ هداية: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم يا ربنا تسليمًا كثيرًا وبعد. بداية يجب أن نفهم أن لكل كلمة في القرآن الكريم معنى وهذا المعنى يتم إما بالمعنى المباشر أو بلازم المعنى أو بالمراد، أي أن هناك معنى عام يجب أن نصل إليه من خلال هذه الكلمة القرآنية، إما بالمعنى المباشر، أو بلازم المعنى، أو بالمراد منها وهكذا وهذه الآيات هي من أخص الآيات التي يظهر فيها هذا الكلام.
المقدم: ممكن أسأل سؤالًا قبل البدء في التفسير، لماذا جعل المولى عز وجل القرآن يحتاج كل هذا الجهد للفهم وهو القائل سبحانه وتعالى (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ)؟ هل لأن هذه صياغة إلهية فلا بد وأن تختلف عن الصياغة البشرية؟ أم لأنه كتاب معجز ومطلوب منك أن تبذل مجهودًا لتنال من الكنوز الموجودة فيه؟ أم لأن المولى عز وجل حكم قاعدة عامة أنه لا يعلم تأويله إلا الله ففي النهاية عقل البشر له حدود؟! هل هو شيء من هذا أم شيء آخر؟!
د/ هداية: هو شيء آخر تمامًا، أولًا لا بد أن نتفق (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) [القمر:17] القضية هي (فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) في هذه الآية وهذه الإشكالية كان طرحها أحد الأشخاص من قبل وقال أنه لا داعي لكل ما نقوله لأنه (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ) وهو نفسه هذا الشخص لو سألته في مسألة وهو يدعي أنه يعلم كل شيء لن يستطيع أن يجيب لأن القضية هي (فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ). مثال – ولله المثل الأعلى – لكي يصبح الشخص محاميًا أو طبيبًا أو مهندسًا أو في أي فرع من الفروع كم من السنوات يدرس في القواعد العامة للفرع أولًا؟ ثم في هذا التخصص؟! ثم في الفلسفة أي رسالة الدكتوراه مثلًا لو أراد أن يتخصص في فلسفة المادة؟! إذا ضربنا المثال بتوضيح أكثر لكي تكون محاميًا أولًا تدرس القانون بجميع فروعه على مدار أربع سنوات – ونحن نراها غير كافية – لكي يتخرج ويصبح لمدة سنتين محامي تحت التدريب، ثم بعدها خمس سنوات ابتدائي، وحوالي 13 سنة محامي استئناف لكي يصبح محامي نقض وطوال هذه الدرجات هو يظل يتعلم ويتدرب لكن الأصل قبل كل هذا أنه درس القانون بقواعده العامة أربع سنوات، إذن إعتبر القرآن منهجًا مثل القانون كيف تدرسه؟ – بفضل المولى عز وجل أنك سألت هذا السؤال ونحن في هذه الآيات بالتحديد؛ لأن فطرة الله لا تحتاج إلى تدريس لكن المنهج كقرآن يحتاج أن يُشرح لكي يُفهم ويحتاج لتعلم لغة لكن فطرة الله لا تعلمها لأحد وهي التي تجعل غير المسلم يدخل في الإسلام وتجعل المرتد والمنفك يعود مرة ثانية للإسلام. والمنفك أي كل دعاة التيارات الحديثة مثل العلمانية وغيرها ونحن لا نتهم أحدًا لكننا يحكمنا منهج إلهي وضوابط قرآنية إفعل ولا تفعل وهذا ما يضايقهم لأنهم لا يريدون أي قيود وإذا التزم بها يكون التزام شكلي مجرد تأدية للصلاة دون خشوع ولا يشعر بأي عبادة.
المقدم: ليت فضيلتك تبين لنا سبب نبرة العداء والتوجس من الدين بشكل عام كانه شر مستطير؟!
د/ هداية: التكليف لأنه قيدٌ على البعض في حين أن المسلم الحق إذا فهم ضوابط المنهج إن صح التعبير سيجد هذه التكاليف تشرح صدره للإسلام وتجعله يشعر بالحب وهو ذاهب ليصلي مثلًا مع الإنتباه أن القرآن وصف المنافق (وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً) [النساء:142] لماذا؟! لأنه يراها قيد.
المقدم: هؤلاء الذين يرون أن التكليف والمنهج قيد لكن أحيانًا تجد مسلمين ولهم كتابات في الصحف لا يريدون لصوت الدين أن يعلو ويخلطون الأوراق دائمًا بين الدين والإلتزام الديني وبين المتطرفين أو أصحاب الفكر الجهادي أو التكفيري – الذين يكفرون المجتمع ويستحلوا دماء الأبرياء – ويتبنوا دعوة أن الدين شيء بينك وبين المولى عز وجل لا دخل له بأمور الدنيا ويريدون لصوت الدين أن يخفت تمامًا وتناسوا أن الدين منهج حياة، هل هذا توجه عام هل لأن المجتمعات الإسلامية عانت الأمرين من استباحة دماء الأبرياء فخلطت بين الملتزم دينيًا والمتطرف؟.
د/ هداية: هذا الخلط وهذا الكلام في حقيقته مؤلم جدًا لأنه أمام هؤلاء الناس الذين يريدون أن يخفتوا صوت الدين هناك متطرف أفكاره تكفيرية فالأول عنده نقص والأخير أيضًا عنده نقص ولا يمكن لرجل ملتزم دينيًا ووسطي أن يقبل هذا الفريق أو ذلك الفريق وهذه المسافة البينية التي قلنا عنها (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) [البقرة:143] وقلنا أن وَسَط الشيء يختلف عن وَسْط الشيء فالوَسْط هذا مستحيل أن يكون مسافة تسمح بالتحرك بل هو نقطة، فالرجل الملتزم الملتزم الوسطي يتحرك في هذه المسافة البينية ويؤدي ما عليه ليس في العبادات فقط بل في المعاملات وكل شيء فكما أنه يؤدي العبادات بيقين وبتحضر – إن صح التعبير -  وبحب وإخلاص متفانيًا في العبادة فيتعامل مع الناس بنفس الإخلاص ونفس المبدأ، يقدم ما عليه قبل أن يطلب ما له وهذه ضوابط المنهج، لكن الفريقين المتطرفين عندما يتحدث أحدهما يغفل كل منهما الآخر ولا تستطيع هذه الفئة الوسطية أن تتعامل مع هؤلاء أو هؤلاء. ويقول القرآن (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) معنى هذا أن الفطرة من خلق الله فهي مخلوق لله تبارك وتعالى وطالما أنها مخلوق لله فلن يستطيع أحد تغييرها (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) وما بعدها هو بيت القصيد – إن صح التعبير -  (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)
المقدم: (لا يعلمون) ماذا؟!
د/ هداية: لا يعلمون هذه الحقيقة التي هي مناط الحياة، مثلًا الرجل الذي ترك على سجيته في الصحراء وجدناه منضبطًا، ومتى يفسد؟! إذا اختلط بالمجتمع وبالناس منهم من يعلمه الرشوة ومنهم من يعلمه السرقة وهذه إذا جعلناها تجربة عملية ووضعنا رجلًا وحده في صحراء وتركناه على فطرته أي ملتزمًا فطرة الله التي فطر الناس عليها هل ستجده منحرفًا؟! لا يمكن أن ينحرف لأنه يعيش على ما خلقه الله تبارك وتعالى عليه من فطرة.
المقدم: وإذا انحرف يكون بسبب تدخل الهوى والنفس.
د/ هداية: كيف يدخل الهوى والنفس وهو وحده؟! لا يمكن لأن الهوى يأتي إليك لكي ترضي غرورك أمام الناس وهو وحده ليس معه أحد فلن ينحرف طالما أنه بمفرده، لكن إذا أصبح معه إمرأة ثم رجل وأمرأة آخرين ستبدأ هنا الإنحرافات والمقارنات ونتيجة الإختلاط وليس معنى هذا أن أذهب لأعيش بمفردي لكن أختلط مع الناس مطبقًا هذه الآية.
المقدم: في الآية السابقة لها (بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ)
د/ هداية: لماذا اتبعوا أهواءهم بغير علم؟! نتيجة للإختلاط. هل رأيت شخصًا يحاول أن يظهر أن أنه يمتلك مالًا أو غيره لنفسه؟!
المقدم: لا يمكن فهو يتجمل أمام الناس.
د/ هداية: فالسبب هو الإختلاط لذلك المولى عز وجل يعلمنا أن نختلط ملتزمين فطرة الله ونترك أنفسنا على ما خلقنا الله تبارك وتعالى، لأنك إذا التزمت فطرة الله التي فطر الناس عليها ستسير بــ (فأقم وجهك للدين حنيفا) وهذه العملية هي (ذلك الدين القيم)، (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) لم يفعلوا هذه العملية وبدأوا يتدخلون ويغيرون من طباعهم التي فطرهم الله تبارك وتعالى عليها.
المقدم: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا) أقم: فيها نوع من القيام ما دلالته؟ ولماذا الوجه بالتحديد؟ واستخدام حنيفًا بعد استخدام ابراهيم عليه السلام لها؟! (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) هذا التبديل هل يستطيعه أحد من الخلق أم أن الآية تضع قاعدة حاكمة أنه لا يستطيع أحد أن يبدل؟ أم أنها تبين أن الأصل أنه لا تبديل لخلق الله لكن هناك من يستطيع أن يفعل هذا وسيأخذ وزر هذا التبديل؟! نجيب بعد الفاصل.
********فاصل **********
د/ هداية: انتبه إلى أن (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا) جاءت بعد (بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ) ثم منيبين إليه واتقوه أم فأقم وجهك؟!
المقدم: فأقم وجهك.
د/ هداية: ثم في النهاية (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ) يعني لو أن المسألة تستقيم بالعودة إلى الله تبارك وتعالى بعد اتباع الهوى فلن تدلك أبدًا على مراد الله من فطرة الله، سأصيغ لك الآية ببشريتي لتعرف الفرق (بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين) الحلّ (منيبين إليه) والإنابة قبل (فأقم وجهك للدين) لن تعرف كيف تنيب ولن تعرف المنهج والتكاليف التي هي (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) أي ملتزمًا فطرة الله (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) وهذا هو قيمة سؤالك ما هو الدين القيم؟ أن تأخذ منهجًا وعندما تنيب إلى الله تبارك وتعالى ستنيب على منهج وليس على هوى فلو حذفنا آية فأقم وجهك ستكون الإنابة أيضًا بهوى، وهذا يستدعي الآية التي أشرنا إليها منذ حلقات وقلنا نريد أن نبينها مع هذه الآيات (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) [الكهف:103-104] هل هم سعوا بناءً على منهج أم بناءً على هواهم؟! على هواهم لذلك فهم من الأخسرين. عندما قال (بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم) كانت الإجابة الشافية في الحل والطريقة؛ الحل (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا) والسبيل (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ) لماذا نحتاج لهذه الإجابة؟! لأن الهوى ألغى الفطرة فالسؤال الذي سألته (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) الذي اتبع هواه لا يغير الفطرة بل ينحيها جانبًا.
المقدم: بدليل أنها موجودة إذا تبت ورجعت.
د/ هداية: مثال/ الرجل المنحرف والمرأة المنحرفة التي تقضي يومها كله في معاصي وهي تتوهم أنها سعيدة بهذه الحياة، يأتي عليها لحظة وتقابل انسانًا يعمل لها نوع من الصدمة ويحدثها فيما يجب أن يكون، ما الذي يجعلها ترجع أو تتوب؟! الفطرة، إذن الفطرة لم تتغير أو تتبدل بل تنحّت جانبًا (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ)؛ لأنه لو أن الفطرة تتغير أو تتبدل لما كان هناك أمل من رجوع أو توبة أي شخص منحرف، ولما كان هناك فائدة من إرسال الرسل فلماذا أرسل الله تعالى الرسل؟! ولو انتبهت كل فترة جاء فيها رسول كان يعم فيها الفساد وجاهلية فجة، ما الذي جعل اتباع الرسل يتبعونهم؟! الفطرة السليمة التي لا تتبدل ولكنها كانت منحّاة أو مجنّبة. في كل فترة يخرج نبي، ابراهيم عليه السلام مثلًا يرفض عبادة الأصنام، محمد صلى الله عليه وسلم يرفض عبادة الأصنام أما في الفترة التي لم يبعثوا فيها لم نجد مشجعين أو منضمين على العكس الكل كان يهزأ بكلامهم، محمد صلى الله عليه وسلم لم يعلنها صراحة منذ البداية لأن المولى عز وجل أراد لهذا المنهج أن يبدأ من أول السطر (الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ) – لكي لا يُفهم كلامي بطريقة خاطئة – أما ابراهيم عليه السلام الكل كان يهاجمه ويرفضه حتى لما تكلم معهم بمنطق مجرد بعيدًا عن منهج ديني – عندما سألوه من الذي حطم الأصنام قال لهم إسألوا كبيرهم – ردوا عليه بالمنطق أيضًا ورجعوا لفطرتهم السليمة وعلموا أن الأصنام لا تضر ولا تنفع لكن في اليوم التالي نكصوا على أعقابهم وعادوا وهاجموه لماذا؟! لأنهم أعملوا الهوى مرة ثانية وجنَّبوا الفطرة السليمة. من وما الذي جعل خديجة تتبع وجعل علي يتبع وجعل أبا بكر يتبع؟! الفطرة السليمة، وأين كانت الفطرة؟! كانت منحاة أو مجنبة، هل كانت مجنبة بفعل فاعل؟! نعم، اتباع الهوى.
المقدم: نريد أن نبين للناس خطورة اتباع الهوى لأنها مذكورة هنا في الآيات وفي آيات سورة الكهف (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا) لأن هناك كثير من الناس يكون عندها الهوى الشخصي ليس خارج مجال العبادة، فالآية تقول (وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا) بمعنى أنه في مجال التعبد نفسه تجد مجموعات متفرقة – دون الخوض في أسماء – ولهم شيوخ وطرق ويتقربوا إلى الله بطرق معينة مثل حلقات ذكر أو دروشة، السؤال هنا هل التقرب إلى الله يكون بطرق معينة لم يعملها الرسول صلى الله عليه وسلم؟! وهنا السؤال الأصعب هل أنت بهذا تتهم الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه قصَّر في تبليغ الرسالة كاملة؟!
د/ هداية: قبل أي شيء طالما أننا وصلنا إلى نقطة أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفعل هذه الأمور فلا بد من تركها، وسأجيب عن أسئلتك لكن بوقفة لأبين لك عظمة الأداء القرآني، أنت قلت سأبتعد عن الهوى في أمور دنيوية مثل الخمارات والبارات وسنتكلم عن الهوى في العبادة نفسها، لكي تعرف أن النص القرآني يصون احتمال جميع المناحي قال: (وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) لو كان يريد أن يطبق على الأمور الدنيوية فقط لكن قال (ولا تكونوا من الملحدين) لكن انتبه، النقطة التي تحدثت عنها هي شرك، والإنحراف العقائدي هو شرك، والإنحراف المادي في المعاملات هو شرك. أنت بمثالك أردت أن تحدد لكي لا يضيع المعنى لكن عظمة النص القرآني تطمئنك أن صيانة احتمال اللفظ هنا وارد، عندما قال (وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) يعني هو يتكلم دين ودنيا، عبادات ومعاملات، فالرشوة إنحراف في معاملات، تطبق معها (وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، والرجل الذي ينسب نفسه لفرقة معينة أو مذهب معين هذا إنحراف في عبادات، تطبق معه أيضًا (وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، إذن الشرك هنا في العبادات والمعاملات عندما قال (بل اتبع الذين ظلموا) لم يقل ظلموا من؟! (أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ) كان الحديث بأسلوب عام لم يحدد عبادات فقط أو معاملات فقط، وجاءت الهداية هنا هداية دين ودنيا. وفي المقابل قال (وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا) بدأ ينقل هنا على مسألة العقيدة لكن مستخدمًا لفظ الشرك لماذا؟! لأنه من الممكن أن الذي يفسد العقيدة يكون إنحراف في معاملة، والعكس من الممكن أن الذي يفسد المعاملة يكون إنحراف في عقيدة.
المقدم: ولماذا يقال على الذي أخذ الرشوة مشرك؟! هل لأنه كفر برزق الخالق وتخيل أن هذا الرزق لن يأتيه إلا بالطرق غير القويمة؟!
د/ هداية: هذه تكون البداية وينتهي به الحال مع احتراف الرشوة إلى اتباع هوى كامل وحب للمال وجمعه بكل الطرق. فتجد الرجل يبدأ بأخذ الرشوة ثم السرقة ثم النصب بحجة أنه لا يملك مسكنًا ومحتاج ويريد أن يُؤمِّن مستقبل أولاده وبعد أن يصبح مليونيرًا لا زال يسرق وينصب فلماذا تستمر إذن إذا كان السبب هو تأمين احتياجاتك فقط؟! ولكن اتباع الهوى يفتح مجالات أوسع من الإنحراف ليرضي فقط هواه، وفي المقابل تجد شخصًا فقيرًا مثل الأول تمامًا وتعرض عليه الرشوة ويرفض بشدة وإذا حاورته من أجل أولاده ومستقبلهم يرد بقمة الفلسفة ويقول لك أنا أبتغي مرضاة الله تعالى في أولادي كيف أطعمهم من حرام وكل جسد نبت من سحت فالنار أولى به؟! وهكذا
المقدم: قبل أن يتهمنا الناس بالفكر التكفيري وأننا نكفر الناس الموحدين بالله وستجد آراء تقول وهل الذي يأخذ الرشوة أصبح مشركاً؟! فأنا أطلب من فضيلتك أن تذكرنا بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن).
د/ هداية: الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ضرب لنا الزنا والسرقة كمثال لكل شهوة – مثل القرآن عندما قال: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ) [الفرقان:86] لماذا هؤلاء الثلاثة بالتحديد؟! كمثال للكبائر وبالتأكيد هذه الكبائر يندرج تحتها ما هو أقل منها، فعباد الرحمن من باب أولى لا يأتون الصغيرة قبل الكبيرة، وصان احتمال أن النفس قد تداعبك فتقع في المعصية وقال: (وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا) وهو بذلك خرج من توصيف عباد الرحمن فهو لم يقل (ومن يفعل ذلك من عباد الرحمن) فصيانة الإحتمال اللغوي هنا أن من المفترض أن عباد الرحمن لا يفعلون ذلك ومع ذلك صان احتمال أن يقع أي منهم أو من غيرهم في المعصية ويفتح الباب للتوبة (إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) [الفرقان:70] – فالرسول صلى الله عليه وسلم عندما ضرب المثال استقى المثال من منطق قرآني، أن الذي يقع ليست هذه نهاية العالم بل إن الذي أخذ رشوة اليوم ممكن يرفضها غدًا أو يعود إلى الله تعالى في أي وقت. ومعنى أن المولى عز وجل يشرع التوبة يبين أن الوقوع في المعصية أمر متوقع وحدوثه أمر طبيعي في البشر وأقولها دائمًا أنه ليس من قبيل الصدفة أن الحياة على الأرض تبدأ بمعصية وتوبة – إن صح التعبير – توبة لم يستطع صاحبها أن يعملها بنفسه (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [البقرة:37]
المقدم: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [التوبة:118]
د/ هداية: فهو أيضًا يعطيك مسالك للتوبة وطرقًا للتوبة أنها ساعة بدأت لم تكن منك بل تعلمتها.
المقدم: الناس الذين وقعوا في مسألة تعدد المذاهب والفرق ما الذي يجعلهم يستمرون في ما هم فيه اعتقادًا منهم أنهم على صواب؟!
د/ هداية: الذي يجعلهم يستمرون هو تنحية الفطرة، والذي يجعلهم يعودون إلى الله تبارك وتعالى هو تفعيل الفطرة السليمة واتباع المنهج.
المقدم: كيف يحدث هذا وما تأثير الكِبْر على تأخر العودة؟ نكمل بعد الفاصل.
********فاصل **********
د/ هداية: تأثير الكبر وسبب التأخر هو تنحية الفطرة بفعل فاعل وإعمال الهوى، والهوى سبيل النفس والشيطان أو الشيطان والنفس باختلاف الأشخاص واتجاهاتهم، فشيطان مع نفس عاصية يكون مجالًا خصبًأ وكذلك نفس عاصية معها شيطان، أما مع النفس الواعية المنضبطة لا يستطيع الشيطان فعل شيء فهذه النفس دائمة التفكير إذا وسوس لها الشيطان بعكس الفطرة ترد بالكتاب والسنة، أما النفس التي تفلسف الأمور على منطق الهوى بعيدًا عن منهج الله تبارك وتعالى يكون الحل والطريق متلازمين جدًا: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا)، (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ). لو انتبهت لقوله تعالى: (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ) ولم يقف بل قال: (وَاتَّقُوهُ) بمعنى أنك إذا قلت اليوم تبت إلى الله لا تطمئن لهذا بل انتبه: (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) ما فائدة كل هذا العطف؟! لكي تعرف أنك في طريق عودتك إلى الله في كل خطوة تحتاج إلى التقوى، هذه التقوى تكون سبب استيعابك للمنهج – ونقولها دائمًا ولن نمل منها – عندما تكلم المولى عز وجل عن أخص صفات التلقي للكتاب قال: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) ولم يقل المؤمنين أو المسلمين أو حتى المحسنين لماذا؟ لأن أصل التقوى مختلف عن كل هذا، فالإحسان لا بد وأن يسبقه تقوى والإسلام والإيمان لا بد وأن يليهم تقوى لكي يحدث الإحسان. مثال/ إذا دخل علينا شخص الآن يريد أن يدخل في الإسلام نقول له انطق بالشهادتين فينطق بالشهادتين أصبح مسلمًا، فنقول له الآن إعمل ونبين له المنهج والتكاليف من الكتاب والسنة فيطبق ما سمعه، هنا أصبح مؤمنًا لكن أثناء عمله وتطبيقه يقابله كبائر وفواحش فلكي يوقف كل هذه الكبائر والفواحش لا بد من التقوى. إسمع الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ) لم يقل أسلموا (اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) (وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [آل عمران:102] أليس هذا سبيل؟! بلى. فإذا أنت آمنت بالله تبارك وتعالى وتعريف الإيمان الكل يعرفه (ما وقر في القلب وصدقه العمل) بعد ما عملت بالإيمان فأنت تحتاج لتقوى (اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ)
المقدم: يعني التقوى حالة تؤهلك أن تفهم، مثل الطالب الذي يذهب للمدرسة في الصباح وهو لم يأخذ القسط الكافي من النوم، ولم يتناول طعام الإفطار الصحي لن يفهم أي شيء من دروسه.
د/ هداية: بالضبط، وإذا أهَّلته من قبلها (وهذا معنى الوقاية) سيساعده في التلقي، فدائمًا التقوى سابقة للتلقي؛ ولذلك قال (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) وأنا أصر على مسألة أنه سبحانه وتعالى عندما قال (ذَلِكَ الْكِتَابُ) مختلف تمامًا عن قوله (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ) [البقرة:185] ولم يذكر هنا تقوى أو إيمان أو أي من هذا لأن القرآن نزل على مجتمع جاهلي لا يعرف شيئًا عن الدين أو الديانات، فقال (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ) ولما أصبح القرآن كتابًا أصبح هدىً للمتقين.
المقدم: ممكن شخص يسأل ويقول يعني هذا الكتاب أصبح هدىً للمؤمن والمسلم الذي يطبق التقوى فقط، فما حقيقة الرجل غير المسلم الذي عندما يسمع آية من القرآن ويفهمها يدخل في الإسلام؟!
د/ هداية: انتبه جيدًا لما سأقوله هذا الرجل لكي يصل إلى أنه يريد أن يدخل في الإسلام أعمل شيئين: أولاً/ قام بتنحية الهوى وأعمل الفطرة، ثانيًا/ أعمل التقوى.
المقدم: كيف؟!
د/ هداية: (من عرف الله خافه، ومن خاف الله امتثل أوامره، ومن امتثل أوامر الله اجتنب نواهيه، ومن كان خلقه ذلك صار أعبد الناس، ومن كان ذلك كذلك صار أتقى الناس) المسألة التي طرحتها أنت فهو نزع الكبر عنه وجاء ليفهم ففهم فدخل في الإسلام. إذن فالسبيل هو تنحية الهوى وإعمال الفطرة وتقوى الله، ما معنى تقوى الله؟! علمنا أستاذنا وشيخنا الشيخ الشعراوي أننا عندنا (اتقوا الله) و (اتقوا النار) لكن النتيجة في الإثنين هي الجنة، فإذا رتبنا الخطوات: 1- إعكس ما أنت عليه فبدلًا من إعمال الهوى وتنحية الفطرة، نحِّي الهوى وأعمل الفطرة، 2- إنزع الكبر عنك، 3- الوقاية أعمل الخوف وتذكر وقفتك بين يدي الله تبارك وتعالى.
المقدم: هناك فكرة يتبناها الكثيرون من المنسوبين لما يسمى العالم الأول أي المتقدمين عنا في مجالات العلم والحضارة وحقوق الإنسان والمواطنة، وينظرون إلينا بنظرة تبين إلى إي مدى نحن متخلفون عمليًا واجتماعيًا وحضاريًا و… وهم الذين يخترعون كل جديد ونحن نستورد منهم كل شيء، فبالتالي إذا كان سكان العالم الثالث أغلبيتهم مسلمون فكيف يكون رجل العالم الأول مسلم مثل هؤلاء المتأخرين في كل شيء؟! وبهذا الكبر يمنعه من إعمال الفطرة، إلى أن يحدث موقف ما يتعرف فيه هذا الشخص الرافض للإسلام والمسلمين على حقيقة الإسلام فيتعجب.
د/ هداية: انتبه جيدًا لهذ النقطة لأنها خطيرة جدًا، فرق كبير بين حقيقة الديانة وما عليه أتباع الديانة، كلمة اليهود مثلًا كانت على عهد موسى هي عين الإسلام (أشهد ألا إله إلا الله وأن موسى رسول الله) فاليوم الكلمة كما هي لكن تحولت من ديانة إلى بلطجة.
المقدم: بلطجة سياسية.
د/ هداية: فالكلمة لم تتغير ونحن لم نحاول أن نفهم الناس فنحن نحترم اليهود الذين هادوا إلى الله تبارك وتعالى على عهد موسى بعد أن شهدوا أنه عليه الصلاة والسلام رسول الله، وكذلك هناك بون شاسع بين الإسلام وبعض المسلمين فلا نحكم على الإسلام ببعض المسلمين.
المقدم: أنا توقفت عند كلمات قالها الرئيس باراك أوباما في الهند قال: أن الدين الإسلامي دين عظيم ويتبعه أكثر من مليار إنسان في كوكب الأرض ولكن بعض أتباعه شوهوا صورته.
د/ هداية: بعض أتباعه شوهوا الصورة – بضغط وتخطيط من غير المسلمين – وبقية أتباعه سكتوا. هناك من الناس من كان يروِّج لكارثة 11 سبتمبر وبعض المسلمين كانوا يقولون أنهم يستحقون، من الذين يستحقون؟! هؤلاء أبرياء ونحن كإسلام وكمسلمين في النهاية لا بد أن نعلوا بفكرنا فنحن أمة دعوة، فالدفاع عن الإسلام ليس بهذه الطريقة وإنما جيش أمام جيش وسلاح امام سلاح لكن المدنيين ليس لهم دخل في المسألة. السبب في ترويج بعض الناس لهذا أن بعضنا متخبط في فكره. وقلنا وقتها أننا إذا تكلمنا عن هذا كنوع من الإرهاب هذا درب من الخبل لأن هذا ليس إرهابًا بل إجرام فالفهم الخاطيء لبعض الكلمات القرآنية ضيَّع الأمة.
المقدم: ومؤخرًا استنكر شيخ الأزهر استهداف المدنيين أو استهداف أماكن العبادة لمن يخالفوننا في العقيدة وقتل الأبرياء فيها – مهما اتهمنا من بداخلها أنهم خطفوا أو عذَّبوا أو … من الذي جعلك وصيِّا على الإسلام وتستحل دماء الأبرياء؟!.
د/ هداية: بالضبط بأي صفة يفعلوا هذا؟ أهذا هو الإسلام؟! لا، فنحن أمة دعوة والدعوة مناطها وسبيلها في القرآن واحد (ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ۖ) (وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ) [النحل:14] (في حين أن المسلم لا يصطنع العداوة ولا يصنعها ولا يدعو إليها، ليس ضعفاً بل إننا أمة دعوة ووظيفتنا الأولى إفهام العالمين حقيقة هذا الكتاب. لا بد أن ننصر هذا الدين ليس بالسكوت.
المقدم: فالسكوت معناه أنك موافق على ما يحدث.
د/ هداية: ونحن لما رفضنا هذا في أحداث 11 سبتمبر هوجمنا هجومًا شديدًا، الإسلام هو الإسلام من عهد محمد صلى الله عليه وسلم، ومن عهد آدم عليه السلام وإلى يوم القيامة، فما وجدنا رسولًا يأتي يكذب الرسول الذي جاء قبله، قال الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل على لسان عيسى عليه السلام وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يَـٰبَنِىٓ إِسْرَ‌ٰٓءِيلَ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَمُبَشِّرًۢا بِرَسُولٍۢ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِى ٱسْمُهُۥٓ أَحْمَدُ) [الصف:28]  يريد أن يقول أن الأنبياء كلهم سلسلة واحدة تختلف الرسالات لكن الدين واحد (إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَـٰمُ) [آل عمران:19] (شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحًۭا وَٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِۦٓ إِبْرَ‌ٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓ ۖ أَنْ أَقِيمُوا۟ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا۟ فِيهِ) [الشورى:11] يعني الأنبياء أُمروا ألا يتفرقوا فما بالك بنا نحن؟!!.
المقدم: أمامنا إشكاليات كثيرة في مجال الدين والعقيدة، ونحتاج نحن أولا كمسلمين أن نحسن استيعابنا لهذا الدين العظيم حتى نحسن التطبيق لنكون خير قدوة للآخرين وهذه رسالة كل مسلم ومسلمة. جزاكم الله خيرًا ونراكم على خير وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

ما الفرق بين (ما منعك أن تسجد) – (ما منعك ألا تسجد)؟

ما الفرق بين (ما منعك أن تسجد) – (ما منعك ألا تسجد)؟

من برنامج هل  يختلفان – الحلقة 36
د. محمد هداية

(قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) ص) (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (12) الأعراف)
سورة ص ترتيبها 38 في النزول و38 في الجمع في المصحف، سورة الأعراف ترتيبها 39 في ترتيب النزول و9 في الجمع. إذن سورة الأعراف نزلت بعد سورة ص أما في الجمع فهي قبل سورة ص، والصيغة في الأعراف جاءت (ألا تسجد) بينما جاءت في ص (أن تسجد).
(ألا) أصلها (أن – لا) ما الذي يمنع أي أحد أن يسجد؟ إما مانع ذاتي أو مانع خارجي. فهذه التركيبة ليبين لك أن السؤال هو: هل منعك أحد أو أن المنع من داخلك؟ أقام الله تعالى على ابليس الحجة تماماً وإجابة ابليس في الموضعين تدل على أن عدم سجوده كان من داخله وليس رغماً عنه أو أحد منعه. الله تعالى قال له (أَسْتَكْبَرْتَ) هذا أمر داخلي (أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ) أمر خارجي، يعني أمام أحد.
عندما نستعرض كل الصور التي وردت لهذه الواقعة فهي وردت في أكثر من موضع في القرآن الكريم. (العالين) ليسوا هم حملة العرش وأنهم لم يؤمروا بالسجود، الله تعالى أمر الملائكة الذين سيسجدون (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ). ابليس في عقيدته أمر فقد اعتقد اعتقاداً جازماً أنه أفضل الخلق على الإطلاق تتجلى في ردّه (أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ) وهذا غباء منه فهو يكلّم الخالق سبحانه وتعالى الذي خلقه، العالم الذي يعلم كل شيء. والناس أغبى من ابليس لأن الله تعالى حذّرنا منه ومع هذا لم نحذر.
(قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ) فيها صيانة احتمال أن يكون المانع من السجود خارجياً فكان رد ابليس على الإثبات كردّه على النفي فهو في الحالتين مستكبر (قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ) ولم يقل أن الملائكة مثلاً منعته من السجود، وابليس أُمر بالسجود مع الملائكة وهو ليس من الملائكة بدليل قوله تعالى (إِذْ أَمَرْتُكَ) كان ممكن لابليس أن يقول لم تأمرني وإنما أمرت الملائكة. أقرّ أن الأمر بالسجود شمله. مثلاً لو كنت أخاطب فصلاً فيه متفوقين وبينهم واحد متخلف فالخطاب سيكون للمتفوقين ويكون أمام المتخلّف فرصة أن يتفوق وحشرته مع المتفوقين، أو لو كنت في فصل للمتخلفين وبينهم متفوق فالخطاب سيكون للمتخلفين والمتفوق لن يهمه الأمر لأنه متفوق. (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ (71) ص) الأمر لمن هو أعلى من ابليس فكان عليه أن ينفّذ وابليس لم يدافع ويقول لله تعالى أن الأمر كان للملائكة وهو ليس من الملائكة وإنما أجاب على أن الأمر بالسجود شمله. فلا يأتي من يقول أن ابليس كان من الملائكة أو كان طاووس الملائكة وغيره من الكلام الذي يضيّع الدين. وللأسف هناك من الناس من يقلّد ابليس في الكبر والكبر هو أول طريق الفشل. لو كان الإنسان واعياً فلن يتكبر لأن هذه صفة ابليس التي وصفه الله تعالى بها (أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ) قال ابليس (قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ) ومن البشر من يقول أنا خير من فلان وفلان، هذا بواب، هذا خادم، أنا سيّد!! يجب أن لا نقترب من منطقة الكبر إطلاقاً لأنها تشبّه بإبليس ولو أردنا أن نتشبه فلنتشبه بالملائكة (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ (34) البقرة) وفي آيات أخرى يقول تعالى (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ (74) ص) استثناء ابليس هنا من الحضور لا من الملائكة. استثناء من الفعل، لأن ابليس أُمر بصفته حاضراً مع الملائكة والقرآن شرحها (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) وفي الحالتين ردّ ابليس (قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ).
فالصياغة (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ) لصيانة الاحتمال هل المانع من السجود داخلي أو خارجي وما ذكرت هذه الآيات في الكتاب إلا لتذكّر من لا يسجد: لم لا تصلي أيها المسلم؟!! لم لا تتحجبي؟ لم لا تنصاع لأمر الله أيها المسلم؟!!!
لو كنا نقرأ القرآن بأعوذ بالله من الشيطان الرجيم في البداية مجازاً وفي أثنائها حقيقة ومجازاً وبعد حقيقة لفهمنا هذه الآيات ووعينا ألا نكون كإبليس فلا نسجد ولو اعتبرنا السجود هو سجود الصلاة لقوله تعالى (أقيموا الصلاة).
هذا سر الصياغة (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ). (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ) مانع داخلي أما (ألا تسجد) فالمانع خارجي، هل كان هناك من منعك عن السجود؟ هل هناك من أبلغك أن الأمر لا يشملك؟
حجة ابليس أنه خير من آدم إنما هو مجرد توهّم عنده وهي ليست حقيقة.

سحر القرآن 4

سحر القرآن 4


الحلقة 4:

لم يجد أحد في البيان أعظم من القرآن وهو ليس من سحر البشر وإنما يناقض هذا السحر ويقضي عليه وإنما هو من سحر البيان الذي يسحر النفوس فتخضع لله رب العالمين. نكمل في هذه الحلقة كيف تأثر العرب بسحر القرآن اللغوي والبياني. تحدثنا في الحلقة السابقة عن تأثر الوليد بن المغيرة بالقرآن وكيف سحقه القرآن بهجاء عجيب واليوم نتحدث عن عتبة ابن ربيعة.

قبل أن يكون هناك إعجاز علمي وتشريعي وقبل أن ينزل التشريع السياسي والاقتصادي والاجتماعي وغيره، قبل كل هذا في بدايات البعثة النبوية وقعت مجموعة حوادث وقصص توضح أن التأثير الذي كان على العرب في نفوس سامعي القرآن كان بسبب القرآن الكريم ولغته وبيانه وفصاحته. من هذه القصص قصة عتبة إبن ربيعة.

بدأت قريش تتأمل وتفكر ماذا يفعلون بمحمد r الذي فرّق جماعتهم وفرق بين الأبن وأبيه والمرأة وزوجها فأخذت قريش تفكر وتدبر في أمر النبي وما جاء به من البيان والهدى. فقال عتبة إبن ربيعة – سيد قريش وله من الأولاد والإخوة الذين لهم مكانة في قريش – فقال: دعوني آتي محمداً وأعرض عليه أموراً لعله يقبلها فوافقوا. فذهب عتبة إلى النبي r وجلس إليه وقال: يا محمد لقد جئت قومك بما فرّق جماعتهم وعِبت آباءهم وأجدادهم وآلهتهم وأنا سأعرض عليك أموراً لعلك تقبلها وتكف عما يغضب قومك ويفرق جماعتك. فقال النبي r في أدبه : قل أسمع يا أبا الوليد. فقال: يا محمد إن كنت تريد المال جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً وإن كنت تريد الضرف سوّدناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك وإن كنت تريد نساءً زوجناك أجمل نساء العرب وإن كان فيك مرض جئنا لك بالأطباء حتى يشفيك من أي مرض وإن كنت تريد غير ذلك فبيّنه لنا نعطك إياه. إستمع له النبي r ولم يقاطعه وهذا من أدبه r فقال: أفرغت يا أبا الوليد؟ قال نعم. فقال r: إسمع مني. (في الوصف أن عتبة كان جالساً على الأرض فألقى يديه خلف ظهره وبدأ ينصت). فبدأ النبي r بأول سورة فصلت – وكان r من أجمل الناس صوتاً بالقرآن – فقال: (حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (4) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آَذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (5) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6)) (إنما أنا بشر مثلكم) – أي أنه لا يدّعي أنه إله – واستمر النبي في قراءة الآيات فترة وعتبة مذهول مما يسمع ثم تلا r الآيات عن خلق السموات والأرض (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12)) ثم قرأ آية إنذار هزّت كيان عتبة الذي أخذ القرآن بكيانه – وقريش تراقب ما يجري من بعيد – فلما وصل النبي r إلى قوله تعالى (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13)) إهتزّ عتبة وقام من مكانه ووضع يده على فم النبي r وقال: ناشدتك الله والرحِم. إهتز عتبة من الإنذار بالصاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، فسكت النبي r وانتبه عتبة لما فعل فعاد إلى مكانه وجلس جلسته وقال للرسول r: أكمِل. أي كلام يؤثر في الإنسان هكذا تأثير؟!. أكمل الرسول r الآيات التي تتحدث عن قصص الأمم السابقة التي لم ترد عبثاً في القرآن وإنما هي إنذار لقريش، ثم بدأت الآيات تصف حال أهل النار (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19)) ثم انتقلت إلى حال أهل الجنة (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31)) الله وليّك يا محمد حبيبك ونصيرك وهذا معنى الولاية، الله تعالى وليك يا محمد وولي المؤمنين فلا تخافوا من أعدائكم، ثم وصل r إلى آية السجود (وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ {س}(38)) فسجد النبي وعتبة ينظر إليه فرفع النبي r رأسه وقال: هذا ما عندي.

عتبة إبن ربيعة سيد قريش، فصيح معروف بفصاحته جاء يعرض العروض على النبي وأي عربي يفرح لهذه العروض وكان عتبة يتوقع أن يسمع رداً على هذه العروض ومفاوضات حولها ولكن الجواب كان آيات من سورة فصلت. إستغرب عتبة من هذا الرد الذي لم يكن يتوقعه على الإطلاق ولم يردّ النبي r على أي عرض من العروض ولم يتكلم بكلام من عنده وإنما كل الكلام كان قرآناً. فقام عتبة من مكانه مشدوهاً كالمسحور تماماً (إن من البيان لسحرا) وأي بيان أعظم من القرآن؟! وذهب عتبة إلى قومه وقال: خلّوا بينه وبين الناس (أي اتركوا محمداً يدعو لدينه) ووالله ليكوننّ لقوله شأناً. لم يقل ليكونن لمحمد شأناً وإنما لقوله أي القرآن الكلام الذي سمعه من محمد r وهو الفصيح العربي وقال هذا القرآن سيسطر على الناس. أثّر فيه القرآن وبلاغة القرآن وبهرته تماماً وخاف عتبة من التهديد والوعيد. فانتهره أبو جهل فقال له سنجمع لك مالاً حتى لا تضطر أن تكون مع محمد فتكون معه يعطيك. إهتزّ عتبة فهو لا يريد أن يترك سيادة قومه ولا يريد لأحد أن يستهزئ به. ثلاثة من سادات قريش- الوليد بن المغيرة وعتبة إبن ربيعة وأُبيّ بن خلف – كادوا أن يسلموا وسبب عدم إسلامهم أبو جهل ومنعهم من قول لا إله إلا الله – وهكذا يكون جلساء السوء عوناً على الوقوف في وجه الحق – واستمر عتبة على كفره ولو اهتدى لصار سيداً في الإسلام. ولكنه بقي على كفره من أجل الفخر وبسبب الحسد الذي أثاره أبو جهل. عتبة لم يلتفت إلى هذه الآيات العظيمة التي تلاها النبي r ونزلت عليه كالصواعق حتى اضطرته أن يهتز ويضع يده على فم النبي r حتى كاد أن يستجيب للحق لكنه قدّم طاعة أبو جهل على طاعة الله تبارك وتعالى فصار صريع الغرور وقتيل الكفر والإلحاد والباطل.

إعجاز القرآن واضح في آيات سورة فصلت وواضح في تحطيم رؤوس الكفر لكنهم أصروا على الكفر.

هذه ليست القصة الوحيدة التي جرت في أوائل الدعوة وسنتحدث عن يعض هذه القصص ثم ندخل في بيان هذا القرآن وأنقل عن أهل البيان واللغة ما ذكروه عن عظمة الإعجاز البياني واللغوي.

وقفة مع الآية (رب إني أسكنت من ذريتي) – هل يختلفان – 36

وقفة مع الآية (رب إني أسكنت من ذريتي) – هل يختلفان – 36

وقفات مع الآية (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) ابراهيم)
من برنامج هل يختلفان – الحلقة 36
د. محمد هداية
(تفريغ صفحة إسلاميات حصرياً)
(من ذريتي) للدلالة على جزء من ذرية ابراهيم التي أسكنها الله تعالى مكة وهو اسماعيل عليه السلام.
(رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) واد غير ذي زرع تعني أن الوادي غير مغري للتجار وليس فيه بيع ولا شراء ولا ماء حتى يأتوا إليه. 
(عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) الميل إلى البيت ليس فيه تجارة ولا زراعة، فالميل سيكون عن طريق البيت الحرام لا عن طريق التجارة، فسيكون في البيت شيء يهوي الناس إليه غير التجارة
(إِلَيْهِمْ) هم دعاة الأمر لذا قال إليهم ولم يقل إليه لأنه لولا الدعوة والتشريع لما ذهب الناس لحج البيت.
ابراهيم عليه السلام يطلب الثواب لهم في مجال الدعوة وهذا ما حصل للعرب (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ (96) آل عمران) خصوصية للمنطقة فيجب أن يخرج من أهل المنطقة دعاة يدعون إلى دين الله فكان أولهم ابراهيم عليه السلام (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ (27) الحج) ومن ذريته محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، الله تبارك وتعالى اختارهم. ثمار الذرية (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ (129) البقرة) يكون أحدٌ من العرب، هذا الدعاء تكميل للدعاء الأول (أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي) واسماعيل هو الذي سكن وادي مكة ومن ذريته محمد صلى الله عليه وسلم لا إسحق الذي من ذريته أنبياء بني إسرائيل.
(فاجعل أفئدة من الناس تهوي) الهويّ هو الوقوع من مكان عالٍ ولازم المعنى السقوط بدون سيطرة منك. الأفئدة هي التي تهوي وليس الناس. تهوي تعني لا سيطرة من الناس.
لو كان الميل إلى البيت وحضور الناس إليه مادياً لا يقال أفئدة، لو الناس جاءت لزرع أو تجارة لا يقال أفئدة. الخيار بين الزرع أو البيت. فالميل يكون للبيت ولذا جاء استخدام لفظ الأفئدة (أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ (57) القصص) لأن الواد غير ذي زرع. وحتى يقوم البيت يجب أن يكون هناك ثمرات فتجبى إليه ثمرات كل شيء وليس الزرع فقط. 
(فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ) الفؤاد محل القلب والناس تذهب للبيت الحرام دون سيطرة منها.
فرق بين الأفئدة والقلوب والآية الحاكمة في الفرق بينهما (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) القصص) فالفؤاد محل القلب. 
(فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) إن هوى محل القلب فمن باب أولى أن يأتي القلب. الهوي السقوط دونما إرادة من صاحب القلب.
(فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ) هذه الصياغة باستخدام حرف الجر (من) من الابداع اللغوي. (من) بمعنى تبعيض الفؤاد وانفصاله عن أعضاء الجسد وبمعنى التبعيض من الناس أي المسلمين لأن الكافر لن يذهب للبيت وليس كل المسلمين يتمكن من الذهاب أيضاً رغم قدرته لأن أفئدتهم لم تتحرك. الدعوة للبيت ربانية قبل أن تكون ابراهيمية، قال الله تعالى (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) مراد أن يتحرك الفؤاد لوحده دون غيره من الأعضاء يثبطه أو يشككه كالعقل الذي يزين للمسلم عدم الذهاب للحج حتى لا يصرف ماله مثلاً. في هذه الحال يتحرك مع الفؤاد ما يثبطه. تكون السيطرة كاملة للفؤاد على العقل.
(تَهْوِي) أعطت معنى السقوط دون سيطرة. لو كان في الهوي معنى الهوى لقال (تميل). 
ما الذي يجعل الفؤاد يهوي دون سيطرة؟ التشريع (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ (27) الحج) لم تُترك الأفئدة تهوى وإنما شرعنا لهم تشريعاً جعل أفئدتهم تهوي إلى البيت الحرام عندها لا تعود المسألة تقبيل حجر أو رجم حجر لأننا نفعل الفعلين تطبيقاً لأمر الله تعالى وتشريعه والتزاماً لتدريبنا على طاعة الأوامر الإلهية والتشريع. كلمة تهوي حتى تتحقق أوجد لها التشريع الذي لا يُناقَش. 
حديث ” جاء رجلٌ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن أهلِ نَجْدٍ، ثائرُ الرأسِ، يُسْمَعُ دويُّ صوتِه ولا يُفْقَهُ ما يقولُ، حتى دَنَا، فإذا هو يسألُ عن الإسلامِ؟ فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: خمسُ صلواتٍ في اليومِ والليلةِ. فقال: هل عليَّ غيرُها؟ قال: لا إلا أن تَطَوَّعَ. قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: وصيامُ رمضانَ. قال هل عليَّ غيرُه؟ قال: لا إلا أن تَطَوَّعَ. قال: وذَكَرَ له رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الزكاةَ، قال: هل عليَّ غيرُها؟ قال: لا إلا أن تَطَوَّعَ. قال: فأَدْبَرَ الرجلُ وهو يقولُ: والله لا أزيدُ على هذا ولا أَنْقُصُ. قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَفْلَحَ إن صَدَقَ. الراوي: طلحة بن عبيدالله، المحدث: البخاري – المصدر: صحيح البخاري – الصفحة أو الرقم: 46، خلاصة حكم المحدث: [صحيح]” (لا أزيد ولا أنقص) قالها الرجل بعدما أبلغه الرسول صلى الله عليه وسلم بالفرائض وقال له (إلا أن تطوّع) فالرجل وافق على الفرائض والتطوع وقال لا أزيد ولا أنقص على الفرائض والتطوع وهذا دليل على أنه سيأتي بالسنن كما الفروض لا كما يستدل به البعض من أنه لن يعمل السنن

النافلة تعينك على الفريضة

النافلة تعينك على الفريضة

بعد الشهادة [شهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدآ رسول الله ] التي هي ركنُ الإسلام الأول و الرئيس و كُلُّ عبادةٍ مبنيةٌ عليها ،أنت إذا تدبَّرت العبادات من أول الصلاة ، الزكاة ، الحج ، الصيام تجدُ أنَّ لكل فريضةٌ نافلتها التي هي من جنسها .-فالصلاةُ خمسةُ فروض لكنَّ رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه سنَّ لك في الصلاة ( سُننآ تابعة وسُننآ غير تابعة ) ، و في الزكاة (الصدقات ) ، وفي الصيام ( التطوع و النافلة ) ، وفي الحجّ ( العُمرة) .-تجدُ أنَّ رسول الله أوجد لك نوافلَ من جنس العبادات وجاء صلى الله عليه وسلم ليدفعك دفعآ إلى مسألتين :(( النافلةُ التي تسوقك أو تؤدي بك إلى القيام بالفريضة على خير وجه ،والفريضةُ التي تدفعك إلي النافلة حُبآ وطاعة )).-و اسمع إلى كلام رسول الله ” فإذا كان يوم صوم أحدكم …..الحديث ” لم يقُلِ الرسول في رمضان أو غير رمضان ،(( الرسول يُريدك أن تأتي النافلة التي تُعينك على الفريضة والفريضة التي تسوقُك إلى النافلة))..د.محمد هدايةنور وهداية ح 8